كأنها كالشمس یعیی كف قابضه

شعاعها ویراه الطرف مقتربا


فهو هنا یستحدث نفس الصورة الوصفیة التی جاء بها "ابن عینیه " قبله فی قوله :
وقلت لأصحابی هی الشمس نورها

قریب ولكن فی تناولها بعد(1)


وفی قول "بشار بن برد":
أو كبدر السماء غیر قریب

حیث یوفى والضوء منه قریب (2)


أو قول الطرماح:
تراها عیون الناظرین اذا بدت

قریبا ولا یسطیعها من یرومها(3)


وتأثر فی وصفه لعیون حبیبته الحالمة
ألم یر هذا اللیل عینیك رؤیتی

فتظهر فیه رقة ونحول


ویقول ابن المعتز.
ضعیفـة أجفانـه * والقلب منه حجر( 4)
كأنما الحاظه * من فعله تعذر
ویقول البحتری :
وكأن فی جسمی الذی * فی ناظریك من السقم (د)
ومن الملاحظ أن المتنبی قد جدد فی المعنى بإبراز قوته ، وكثافته ،ودفعة خیاله ، فهم جمیعا لم یصلوا، إلى مرتبة المتنبی ، لقول "ابن المعتز" الأخیر، وان كان أجود من "البحتری " ولكنه لم یصل إلى قول "المتنبی"، فسقم عین الحبیب انتقل الیه وأمرضه فهو تجاوز الوصف الى الفعل ، وأورد صورتین فی البیت المذكور، وكلاهما ذا أثر فعال فی شخص المحب ، بینما "ابن المعتز" و"البحتری " لم یتعدیا وصف صورة واحدة.
ویمكن القول بأن "المتنبی " رغم أنه تأثر بغیره لكنه كان تأثیرا مصحوبا بجدید له جانب كبیر من الإثارة.
نظرة المتنبی للمرأة

( 1 ) النظرة العدائیة :
رغم تلك الكثرة من الدراسات التی تناولت حیاة "المتنبی " وشعره ، إلا أنها لم تذكر شیئا عن علاقته بالمرأة، أو حبه لامرأة بحینها كمثل تلك العلاقات التی شاعت عند أقرانه ، ورفقائه .
ان تلك الدراسات تضاربت فی آرائها حول المرأة عند هذا الشاعر كما یقول الأستاذ "القویضی " فی دراسته "المتنبی بعد ألفی عام ".. "انه لم تمتلكه المرأة، ولم یشغله الحب " بل هو مترفع عنه مشغول بطموحه ، الذی تاق الیه فی دنیاه ، ولعل أبیات المتنبی التالیة دلیل هذه الدراسات فی هذا الرأی .
لولا العلا لم تجب ما أجوب بها

وجناء حرف ، ولا جرداء قف ود

وكان أطیب من سیفی معانقة

أشباه رونقة الغید الأمالید

لم یترك الدهر من قلبی ولا كبدی

شیئا تتیمه عین ولا جید(6)

وكذلك قوله فی قصیدة أخرى

وللخود منی ساعة ثم بیننا

فلاة إلى غیرالقاء تجاب

وما العشق الا غرة وطماعة

یعرض قلب نفسه فتصاب (7)

وغیر فؤادی للغوانی دمیة

وغیر بنانی للرماح ركاب


غیر أننی أختلف مع هذه الدراسات التی ترجع عداء "المتنبی " للمرأة. من خلال هذه المقطوعات التی یقتطعها الدارسون ، فیفسرونها حسب هواهم ، وأمزجتهم ، فالمقطع الثانی من قصیدة قالها وهو فی حالة نفسیة صعبة، وكما تشیر مناسبتها، فإنه قالها عندما اتخذ قراره بهجر مصر، فانتابته اثر ذلك الوساوس ، فجمع قواه وما توزع من عزمه ، وما تشتت ، ثم صمم على الرحیل ، ویكشف ذلك فی بقیة القصیدة :
وفی الجحیم نفس لا تشیب بشیبة

ولو ان ما فی الوجه منه حراب

لها ظفر ان كل ظفر أعده

وناب إذا لم یبق فی الفحم ناب


اذن ذلك التعزیز الذی تلمسه أولئك الكتاب فی نظرتهم "للمتنبی " على أنه عدو المرأة فی تلك القصیدة لم یكن صادقا، فـ "المتنبی " قد صارع الدهر فصرعه ، فها هو یستجمع قواه لینهض من كبوته فیظهر، وكأن غلاب الدنیا فی فترات معینة من حیاته لم یدع له فرصة یعطیها لعشقه ، فیهیم فی أناة كما یصنع هؤلاء الذین وادعتهم الحیاة وهادنهم الزمان فصادقهم الهوى، فعایشوا لهو المرح ، ومرح الحب والغزل .
وتبنى نظرة الدارسین الذین یؤیدون فكرة عدائیة "المتنبی " للمرأة على بعض النماذ ج من قصائده ، فها هو المستشرق الفرنسی "بلاشیر" یستشهد لذلك ببیتین هما:
اذا غدرت حسناء وفت بعدها

فمن عهدها أن لا یدوم لها عهد


و قوله:
ومن خیر الغوانی فالغوانی

ضیاء فی بواطنه ظلام


ویقول "بلاشیر" "فالشاعر الذی یعبر عن رأیه فی النساء بهذا الشكل لا یستطیع الاشادة بالمرأة الا مضرا مكرها"(8)
ویظهر لنا حكم "بلاشیر" هذا، بأنه فیه شیئا من التجنی على "المتنبی " ذلك أن المتنبی فی حقیقة الأمر لم یكن عدوا للمرأة. ففی شعره دلیل حی علی تقدیره لها واعتزازه بها، فهو یقول فی موضع آخر فیها:
أسر بتجدید الهوى ذكر ما مضى
وفی كان لا یبقى له الحجر الصلد
فالمتنبی ببسر عندما یجدد الهوى ذكر أیام الوصال ، وان كانت تلك الذكرى تقطع قلبه حزنا وأسى، بل یذوب لها الحجر الصلد أسفا وحنینا. فهل ألذی یقول هذا عدو للمرأة، ولیس ذلك فحسب بل انه من أجل الحبیب یلذ طعم السهاد، كطعم الرقاد أیضا :
سهاد أتانا منك فی العین عندنا

رفاد وقلام رعى سربكم ورد(9)


و"بلاشیر" لیس وحده قد تبنى تلك الفكرة ازاء "المتنبی "، فهناك كتاب حذو حذوه فی دراساتهم ، فها هو ذا "علی الجندی " فی كتابه "غزل المتنبی وحبه " یعتقد بأن "المتنبی " یبرأ من الحب براءة تامة، فترام حبیبا شكس الخلیقة، حمی الأنف ، كثیر الاعتداد بنفسه ، بعید مرامی الهمة، یهمس بالثورة تارة، ویصرح بها أخرى، ویتطاول الى معالی الأمور، ویتحدث عن آمال جسام . . . الخ
فهو القائل:
أمط عنك تشبهی بما وكأنه

فما أحد فوقی ولا أحد مثلی


وكذلك فعل "حسن علوان "، فی مقالة له عن المتنبی اذ یقول عن المتنبی : "فلم ینفذ إلى قلبه سحر المرأة، ولم تلتهب فیه عواطف الغرام ، لأن نزوعه إلى المجد وتطلعه إلى الرئاسة لم یدع للمرأة سلطانا على قلبه .. هذه الحیاة الصاخبة الجامعة المفزعة أبت على "المتنبی" أن یصغی الى الحب ، وأن یستجیب إلى صوت العاطفة".
وسرد الدكتور"سامی الدهان" فی كتابه "الغزل منذ نشأته " نفس الفكرة قائلا بكل صراحة : وما لا یعرف "للمتنبی " قلبا أحب ، وهو القائل :
وما كنت ممن یدخل العشق قلبه

ولكن من یبصر جفونك یعشق (10)


فمن هذه الفاتنة التی أحبها (المتنبی )؟ أهی الدنیا أم المناصب العالیة أم الثروة والطموح ، والمجد والعز والنصر؟ وهل ترك قلبه مكانا للمرأة فیه غیر أن یلهو بذكر اسمها لیفتتح بها شعره ویعطر بها نشیده ؟
هذه هی بعض الآراء حول النظرة العدائیة "اللمتنبی " للمرأة، والتی یتبناها بعض مؤرخی سیرة هذا الشاعر، غیر أننی لا أوافق هذه النظرة التی تحمل بعض الشطط فی الحكم والابتسار فـ "المتنبی " كما أراه انه حتى ولو لم یعلق قلبه بواحدة فإنه أنصف المرأة، وقدرها حق التقدیر، وأعتقد ان ابتعاده عن النساء، ووصفه لهن ببعض ما یظهر عداءه لهن له ما یبرره ، فهو ابتعد عنهن فی مرحلة من حیاته ، ولظروف خاصة ألمت به ، ولا أستبعد ان تكون تلك الظروف متعلقة بحبه للملك وطلب الاماراة، جعلته یفتعل التزمت ، وموقف عدم الاهتمام بهن ، لئلا یهتم بالهزل
ومطاردة النساء، واقتناص اللذة، ومعاقرة الخمر، كما فعل كبیر الشعراء "امرؤ القیس" فضاع منه ذلك ، لذا هو یبتعد عن مواطن الهزل ، وینزع إلى العظمة، لیوهم من حوله أنه أهل لكبار الأمور، ویصلح أن یكون رجل دولة، وهو فی حقیقة أمره شغوف بالنساء یحرص على حبهن ، وقد عشق كما یعشق الرجال ، لا سیما فی صباه ولسنا ننكر ذلك فی شعره القائل :
وكیف التذاذی بالأصائل والصخى

اذا لم یعد ذاك النسیم الذی هبا

ذ كرت به وصلا كأن لم أفز به

وعیشا كأن كنت أقطعه وثبا


وكذلك:
هذه مهجتی لدیك لحین

فأنقضى من عذابها أو فزیدی


(2 ) النظرة الشغوفة بالمرأة :
أعتقد جازما بأن (المتنبی ) كان شغوفا بالمرأة، متیما فی هواها، یدل على ذلك مفتتح قصائده ومطالعها، التی ینشدها ساعة الاستقرار، فیها الصور الكثیرة فی الغزل بها والتشبیب بصفاتها، غیر أن حیاته التی اختارها ان تكون فی بلاط أبی العشائر، أو سیف الدولة أو كافور، أو غیرهم من الأمراء وعلیة القوم ، تكتم علیه أن یكتم حبه وأن یلزم حیاة المجد لیصل إلى الهدف .
وكما یقول الدكتور "سعد شلبی ". فان المتنفس الذی یفصح عن حبه المكتوم هو مطالع بعض قصائده (11)، ومن نماذج هذا الغزل الذی كان فیه ذ كر المحبوبة لأول مرة . وهی "جمل " قوله فی قصیدة مدح فیها "شجاع بن محمد الطائی ":
جرى حبها مجرى دمی فی مفاصلی

فأصبح لی عن كل شغل به شغل

ومن جسدی لحم یترك السقم شعرة

فما فوقه الا وفیها له فعل

اذا عذلوا فیها أجبت بأنه

حبیبتا قلبا فؤادا هیا جمل

كأن رقیبا منك سدى مسامعی

عن العذل حتى لیس یدخلها العذل

كأن سهاد اللیل یعشق مقلتی

فبینهما فی كل هجر لنا وصل

أحب التی فی البدر منها مشابه

وأشكو الى من لا یصاب له شكل


فهذا المطلع ینبض ببأساء الحب ، وشجن المحب المتهالك الذی أصبح عبرة للمحبین ، فقد أحب حتى ذهب عقله ، وجرى الحب فی عروقه ، فأذهله عن كل شیء ، وأصاب من جسمه كل شیء ، فلا مجال لرجعة عن حبه ، فلا یملك الا الأنین باسمها وصفاتها، وكأن جمالها قد صرفه عن كل عذل ، ذلك الجمال الذی أسهره لیله فلا یكاد ینام .
ومطالع (أبی الطیب ) الغزلیة كثیرة ومتعددة. فله فی كل البیئات المكانیة التی قضى بها صفوة حیاته حب ، فالحب لم یفارقه ولم یتعد سنین عمره ، فقصائده التی كتبها فی الشام أو لسیف الدولة أو لكافور، أو التی صاغها وهو فی بغداد أو شیراز أو خراسان كلها تنبض بالحب والإحساس به ، فانظر وصفه للمرأة، فی مطلع قصیدته المدحیة لـ"علی بن منصور" التی یقول فیها:
بأبی الشموس الجانحات غواربا

اللابسات من الحریر جلاببا

المنهبات قلوبنا وعقولنا

وجناتهن الناهبات الناهبا

الناعمات القاتلات الممیتات

المبدیات من الدلال غرائبا

حاولن تفدیتی وخفن مراقبا

فوضعن أیدیهن فوق ترائبا

وبسمن عن برد خشیت أذیبه

من حر أنفاسی فكنت الذائبا(13)


فهذه الأبیات تمتلىء بمعانی الحب ومعرفة الغوانی وطبائعهن ، وما یحدثن من تأثیر، ففی البیت الرابع مثلا مشابهة "عمر بن أبی ربیعة" حیث یترك الحسان یتغزلن فیه ، ویحرصن على حبه ، وفی البیت الأخیر صورة طریفة تقوم على الاستعارة التصریحیة والمكانیة فی آن واحد، فهی مختلطة حسب التعلیل ، والأبیات تنساب انسیابا موسیقیا رائعا.
و"أبوالطیب " لطالما یستظهر حبه من شدة الجوى للحبیب ، وهو یتخیل طیف حبیبته یمر علیه فیخلق معه حوارا یستعطفه لیبعث الیه بأخبار محبوبته وأحوالها، فهو یوازن بین هذا الخیال وصاحبته ذاكرا رأیه فی وصال كل منهما وهجره . . وعلى الرغم من أن هذا الحوار جاء كمطلع لقصیدة مدحیه مدح فیها عضد الدولة، فانها ملیئة بالأحاسیس ، فهو یقول مخاطبا هذا الطیف الخیالی:
عد وأعدها فحبذا تلف

ألصق ثدیی بثدیها الناهد

وجدت فیه بما یشح بها

من التشتیت المؤشر البارد

وإذا خیالاته أطفن بنا

أضحكه أننی لها حامد

لا تعرف العین فرق بینهما

كل خیل وصاله نافد


والوجه الجمالی فی هذه الأبیات ان المتنبی معنی بالغزل ، فهو یتجاهل فیه تجاهل العارفین ، ویشخص الخیال ، ویجری على لسانه ذلك الحوار الحی .
وهكذا یبدو "المتنبی " متیما بالنساء، شغوفا بهن ، قد صدح بذلك فی مرحلة ما قبل اتصاله بسیف الدولة، وهو ما یؤكد مصداقیة حكمنا السابق فانظر كیف یستنطق ذلك :
أطعت الغوانی قبل مطمع ناظری

إلى منظر یصغرن عنه ویعظم (13)


ولا یمكننا الا القول ان "المتنبی " عرف الهوى وذ اق مرارته ، وحلاوته ، وعاش تجاربه ، تخرج بهذه النتیجة بعد أن قارب الخمسین من عمره تبرهنها قصیدته البائیة التی تتوسم مظاهر التجارب ، والخبرة ولعل مطلع القصیدة یكشف ذلك:
وغیر فؤادی للغوانی رمیة

وغیر بنانی للزجاج ركاب


وتشیر بعض الدراسات التی تناولت ظاهرة الحب عند "المتنبی " إلى أنه كان عاشقا لأخت سیف الدولة "خولة" وان سیف الدولة كاف على علم بما كان بین المتنبی وأخته من المحبة الغالبة على أمرهما. وانه كان وعد "أبا الطیب " وعدا لم یوف به فی أن یزوجه أخته هذه ، وتستدل هذه الدراسات بقول "المتنبی ":
ومن مضت غیر موروث خلائقها

وان مضت یدها موروثة النشب

وهمها فی العلا والمجد ناشئة

وهم أترابها فی اللهو واللعب

یعلمن حین تحیا حسن مبسمها

ولیس یعلم إلا الله بالنشب (14)


فقد ذكر "أبوالطیب " فی هذه القصیدة أخلاق "خولة" ثم ذكر ما كانت علیه من علو النفس والهمة منذ نشأتها، ثم ذكر ابتسامتها، وهذه كافیة للدلالة على معرفته بـ"خولة" معرفة صحیحة تبرهنها الخبرة واللقاء.
وأرانی اختلف مع هذه الدراسات فی هذا الرأی ، ذلك ان "المتنبی" كان اتصاله بسیف الدولة اتصالا ذا مطامع . . كما ان "خولة" فی هذه القصیدة جعلت من المتنبی حكیم الشعراء، وشاعر الحكماء وذلك أمر مرفوض أیضا لأن "المتنبی " كان حكیما قبل أن یتصل بسیف الدولة والحكمة مبثوثة فی ثنایا شعره قبل أن تطأ قدماه أرض حلب .
ولو نظرنا إلى تلك الأبیات لوجدنا انها خالیة من أی منظر للحب ، فهی فی أساسها قد كتبت فی رثائها، وتقدیم التعزیة لأخیها سیف الدولة، ولا أعتقد ان الموقف یتحمل تبریر مكنونات النفس، ولكننا عرفنا أن "المتنبی " أیضا فی كثیر من قصائده یتشوق إلى "أم سیف الدولة" ویظهر الحب لها فهل یصح أن نقول انه أحب "أم سیف الدولة""، إننی لم أجد الدلیل قویا إزاء هذه العلاقة فی شعر "المتنبی " ولا حتى فی تاریخ حیاته وخاصة الخمسة عشرة سنة (أی منذ أن وطئت قدماه أرض حلب ) فهو لم یتفوه بذكرها ولو مرة واحدة، فكیف تأتی هذه الآراء إلا على سبیل الحدس "وخلاصة القول بأن "المتنبی " أحب ، وكانت صلته بالمرأة قویة فی صباه ، وفی عنفوان شبابه ، كیف لا وهو الجواب فی صحاری العراق ، وبوادی الشام ، متنقلا بین القبائل والحواضر، وهو الشاعر المرهف الإحساس ، الذی ما فتىء أن استلهم شغفه بالحب من خلال وصف واثارة "للبدویات الرعابیب على الحضریات " وذلك لجمالهن المطبوع ، وأیا كان الأمر ف "المتنبی " تبعا لذلك منساق وراء هذه الصفات الجمیلة الأثیرة
إلى قلبه تبرهنها أبیاته الجمیلة :

هام الفؤاد بأعرابیة سكنت


بیتا من القلب لم تمدد له طنب
وقوله واصفا البدویات:
حسن الحضارة مجلوب بتطریة

وفی البداوة حسن غیر مجلوب

أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها

مضبغ الكلام ولا صبغ الحواجیب


ظاهر تصویر المتنبی للمرأة :
سوف أركز هنا على المظاهر الحسیة، والمظاهر الرمزیة لتصویر "المتنبی " للمرأة مستلهما مطالع القصائد التی جاءت حاملة هذا الاطار.
* أولا : المظاهر الحسیة :
حدد "المتنبی " المظاهر الحسیة لصورة المرأة التی رسمها فی خیاله ، فطفق تغزلا بها واصفا وجهها ولونها، وشعرها، وقوامها، وعیونها، وغیر ذلك من الصفات . فهی فی لونها بیضاء مشرقة كأنها الدرر فی لمعانه : "لها بشر الدر الذی قلدت به ".
أما وجهها فوصفه بأنه منیر، ساطع ، محیا، یزیل الظلمة فیعید النهار وسط دیاجیر الظلمة(15) "ووجه یعید الصبح واللیل مظلم ".
كما أنها كالشمس فی سطوعها، وجمال محیاها، وهی تنثر أشعتها، وضاءة، مشرقة :
كأنها الشمس یعیی كف قاصبة
شعاعها ویراه الطرف مقتربا(16)
وشعرها طویل ، فاحم السواد، وهو جعد، فیه رائحة العنبر ممزوجة بماء الورد یصفه بقوله:
حالك كالغداف ، جثل فحوجی

أثیب جعد بلا تجعید

ذات فرع كأنما ضرب العنبر

فیه بماء ورد وعود


أما عینیها فقد أخذت النصیب الوافر من وصفه ، فقدم فیها أروع فنه الوصفی لأنها المعبرة عن خلجات نفسه الحبیبة، التی تزكیها صفات الجمال الحكلمی ، فاحتلت لذلك مساحة واسعة من غزله . ففی رأیه هناك ثلاثة أنواع من العیون ، أولها ، عیون قاتلة" تمثلها المتنبی فی وجه البدویات الحسان التی تنعم بالبساطة، ولا تعرف المكر والخداع ولكنها ترمی قلوب المحبین دون قصد ولا إدارة بلحاظها القاتلة:
الرامیات لنا ومن نوافر

والقاتلات لنا ومن غوافل

وأخرى قتلت المحب ولم تدر أنها باءت بإثم :

ان التی سفكت دمی بجفانها

لم تدر أن دمی الذی تتقلد


وثالثة تمثلها بقوله:
نفدت علی السابری وربما

تندق قیه الصعدة السمراء


وآخیرا تخترق هذه العیون القواتل الم الأحبة، وتتركهم صرعى ضحیة الحب بفعلها، لكن الجدید أن تشق السهام القلوب قبل أن تمس الجلود، فهی ذ ات سحر عجیب رامیات بأسهم ریشها الهدب تشق القلوب قبل الجلود
وثانیا العیون الوسیلة فهی فی رأی "المتنبی " أكثر دقة، وأحق وطأة من سابقتها، فهی سبب للعشق ، فمن یرى تلك الأحداق الحسان ، لابد أن یسقط صریع الهوى :
وما كنت ممن یدخل العشق قلبه

ولكن من یبصر جفونك یعشق


كما أنها وسیلة لتذلیل الصعاب :
ومن خلقت عیناك بین جفونه

أصاب الحدود السهل فی المرتقى الصعب


وثالثا العیون الحالمة: التی وصفها بقوله:
ألم یرى هذا اللیل عینیك رؤیتی

فتظهر فیه رقة ونحول


وكذلك قوله:
أعارنی سقم عینیه وحملنی

من الهوى ثقل ما تحوی مآزره


والعیون كثیرة فی شعر "المتنبی " فهی ساحرة تضفی سحرا خلابا یعشق ویتوق الیه:
بما بجفنیك من سحرصلى دنفا

یهوى الحیاة، واما ان صددت فلا


وكذلك " عیون حائرة " یصف منظرها وهی تودع ، یراودها الخوف ،
ویعتصرها القلق ولم أر كالأحاط یوم رحیلهم

بعثن بكل القتل من كل مشفق

أدرن عیونا حائرات كأنها

مركبة أحداقها فوق زئبق


واذ ا جئنا للأوصاف الأخرى الحسیة نجدها تتمثل فی وصف قوام حبیبته فكما یصورها، فهی طویلة" رشیقة، ضامرة البطن ، دقیقة الخصر، ثقیلة الأرداف ، یتمثلها البیت التالی من قوله:
وقابلنی رمانتا غصن بانه

یمیل به بدر ویمسكه حقف


وتنثرها الأبیات التالیة التی جاءت أولها فی وصف الخصر:
وخصر تثبت الأبصار فیه

كأن علیه حدق نطاق


هذه أهم الصفات التی تتمین بها المرأة فی وصف "المتنبی"، وهی صفات حسیة، كشفت عن ذوق عربی أصیل ، ومعرفة بأسرار الجمال ، أظهرت التوازن والتكامل فی الخیال ، وهو بذلك قد سلك مسلك القدماء من الشعراء الذین تجسد الوصف الحسی ظاهرا فی قصائدهم ، وهو بذلك لم یأت بجدید، سوى رقة اللفظ والأسلوب .
و"المتنبی " فی غزله بالمرأة انطلق فی كثیر من مطالعه من هذا الوصف الحسی المفرط الذی انتقى المرأة فی هذا الجانب . ومن الغریب انه قدم هذا الوصف الح!ی فی قصائد المدح كمثل التی قالها فی مدح القافی المالكی "أبی الفرج أحمد بن الحسین ":
لجنیفة أم غادة رفع السجف

لوحشیة ؟ لا . ما لوحشیة شنف

نفور عرتها نفرة فتجاذت

سوالفها والحلی والخصر والردف

وخیل منها مرطها فكأنما

تثنی لنا خوط ولاحظنا خشف

وقابلنی رمانتا غصن بانة

یمیل به بدر ویمسكه حقف


ثانیا: المظاهر الرمزیة فى تصویر المرأة :
احتوت المظاهر الرمزیة على كثیر من قصائد وأبیات "المتنبی " فی تصویر المرأة أو غزله بها "فهو یتجاوز التصریح إلى التلمیح " ولعله بهذا الجانب الفنی كسب أهمیة كبیرة لدى كثیر من النقاد، فهی جزء من شوارده التی نام ملء جفونه عنها، وسهر الناس حول تفسیرها الخصومة حولها.
والغزل الذی أورده "المتنبی " فی كثیر من مطالع قصائده – فی اعتقادی لا یقصده بعینه لأن طابع القصیدة ومناسبتها مدحیة غالبا - وانما القصد غیر ذلك مما یهم الشاعر أمره ویأخذ علیه نفسه .
وكما یقول الدكتور "درویش الجندی " عن قصائده التی مدح بها "كافور" واستطلعها بوصف المرأة أو التغنی بجمالها : "ان ما قاله لم یقصد تصویر عواطفه نحو النساء على ما یفهم من ظاهره ، وانما كان یقصد حبیبه القدیم "سیف الدولة" والحیاة فی جوار ذلك الحبیب . ... ".

ولعل من أهم ما یمكن تمثله فی هذا الموقف تلك المقدمة التی جعلها فی قصیدته التی كتبها فی سجنه ، یطلب من الأمیر اطلاق سراحه قائلا :
أیا خدد الله ورد الخدود

وقد قدد الحسان القدود

فهن أسلن دما مقلتی

وعذبن قلبی بطول الصدود

وكم للهوى من فتى مدنف

وكم للنوى من قتیل شهید

فواحسرتا ما أمر الفراق

وأعلق نیرانه بالكبود

وأغری الصبابة بالعاشقین

واقتلها للمحب العمید

وألهج نفسی بغیر الخنا . .

بحب ذوات اللحى والتهود


ففی هذه القصیدة نلمح طوابع التجنیس الذی جسد به "المتنبی " قصیدته ، فهو فی الوقت الذی یدعو على الخدود أنیشققه الله ، ویزیل حسنه ، وأن یقطع القدود الحسان فهو یشیر الى أصدقاء الأمیر الذین وشوا به ، فیدعو علیهم لأنهم الذین كانوا سببا فی غضبة الأمیر علیه فأسالوا دمه ، وعذبوا قلبه ، فهو ضحیة هذه الوشایة، فهو القتیل الشهید من جرائها. وهو المحب العمید للأمیر .
فـ "المتنبی " یقصد أولئك المغرضین ، ویرمز إلى براءته .
و"المتنبی " عندما یستطلع قصائده فی هذا الجانب ، یظهر أسی شدیدا، ووجدا بلیغا، فلا یكاد یشعرنا إلا بقلبه المتیم ، العاشق ، الذی لا یفارقه السهاد ومن ذلك قوله:
یا نظرة نفت الرقاد وغادرت

فی حد قلبی ماحییت فلولا

كانت من الكحلاء سؤالی أنما

أجلی تمثل فی فؤادی سولا


ولعل مظأهر الرمزیة فی اعتقادی سببها خوفه الشدید من خصومه الذین ألموا به ، ووشوا به ، وخاصة عندما ظل ممدتحا فی قصور سیف الدولة، وكذلك خوفه من التقالید والأعراف التی كانت مسیطرة على المجتمع ، فوجد فی الرمز ملاذا فی التعبیر عن عواطفه كما رأینا فی حبه ل(خولة) مثلأ.
ولو سلمنا بتلك الرمزیة كسیاج أخذ ینسج إلیه "المتنبی " فی غزله نجد أن مظهرا آخر بدا یسیطر علیه فی هذا الغزل وهو "طابع العفة" فـ "المتنبی " كما رأینا أحب المرأة، ورأى فیها الانسان الجمیل ، وبث فی ذلك شعرا رقیقا فی مطالع قصائده ، وكانت نظرته الیها مصدر الاعتزاز بها والتقدیر لها، لذا عف فی تصویرها تصویرأ فاحشأ بذیئأ، كما فعل غیره من الشعراء، ولعله كان قادرأ على ذلك :الا إن خلقه ، وخلق المجتمع من حوله أبت أن یقوم بهذا الدور، ولهذا تجده یقول:
وترى الفتوة والمروءة والأبوة

فی كل ملیحة ضراتها

هن الثلاث المانعاتی للذتی

فی خلوتی لا الخوف من تبعاتها


فهذه العفة لم تمنعه من الحب البریء النزیه ، وانما منعته من الاقتراب من المحرمات . كقوله
اذا كنت تخشى العار فی كل خلوة

فلم تتصباك الحسان الخرائد


و قوله :
یرد یدا عن ثوبها وهو قادر

ویعصى الهوى فی طیفها وهو راقد


ان "المتنبی " وهو متعفف عن كل معانی المحرمات ، تلازمه هذه الصفة، وتسیطر على عقله الباطن ، فهو یتفادى الرذیلة ومن هنا شاعت المقولات ضده ، بأنه كان عدوا للمرأة، كارها لها على طول الخط ، ولعله كان یحس ذلك ، فاستصدر أبیاته التی تعزی المناقب والمثل الرفیعة فی وصفه ، وتعامله مع المرأة.
وما كل من یهوى یعف اذا خلا

عفافی ویرضى الحب والخیل تلتقی


وأخیرأ یظل هذا مظهرا بدیعا، یتمیز به "المتنبی " فی شعره . ویظل "المتنبی " اثر تلك المظاهر مجتمعة، ولوعأ بالمرآة فی داخله ، فهو رغم ذلك یلفظ بعبارات الحب الحقیقی لا المزیف ، فتخرج آحیانأ صراحته المتناهیة، التی هی فی حقیقة الأمر صراحة المحبین ، الذین یحبون التحدث عن أنفسهم ، وعن حبهم بشوق واندفاع ، فالشاعر لا یرى بأسا من الاعتراف بذنبه لأنه بعد أن عاش تجربة العشاق ، واكتوى بنار الحب ، وعرف الحقیقة، طفح لسانه بشعر رقیق كقوله .
جربت من نار الهوى ما تنطفی

نار الغضى وتكل عما تحرق

وعذلت أهل العشق حتى ذقته

فعجبت كیف یموت من لایعشق

وعذرتهم وعرفت ذنبی أننی

عیرتهم فلقیت فیه ما لقوا


ولعلنا نلحظ أن "المتنبی" عبر عن تجربته الخاصة عن الحب ، وخبرته الطویلة له فی عبارات شعریة تنم عن بساطة التعبیر، وعدم التكلف فی أداء المعانی ، وبألفاظ رقیقة عذبة، وذلك كله دلیل قاطع على معاناة الشاعر الصادقة.
الظواهر الفنیة فی وصف المتنبی للمرأة

لعل أهم ما سنركز علیه من ظواهر فنیة فی وصف "المتنبی " للمرأة، هو عنصر اللغة، وما نجم عنها من استخدامات كثیرة تفرد بها وأصبحت تشكل ظواهر فنیة، فی شعره خاصة، ومن هذه الظواهر "ستخدام المحسنات البدیعیة " أو " ظاهرة ا لأضداد " .
ولقد شاعت تلك الظاهرة فنیا فی العصر العباسی ، ولاسیما فی شعر "أبی تمام " فكان یأتی بصورتین متضادتین ، ویجمع بین متناقضتین (17 )كما وصفه "شوقی ضیف " فی كتابه "الفن ومذاهبه "... الا ان " المتنبی " الح علیه إلحاحا كبیرا، وآصبحت نتیجة ذلك ملفتة للنظر، فهو یعقبها، ویرصدها، ویحاول أن یمزجها فی مجموعة من الألوان التی یؤثرها فی وصفه . فهو عندما یعثر على البیاض فی اشراق وجه الحبیبة، والسواد فی شعرها الفاحم ، یفیض علیهما من حسه ما یجعلهما أكثر تعقیدا، وأعظم اثارة للنفس .
ولقد رأینا هذه الظاهرة عند كثیر من شعراء ذ لك العصر، فها هو "بشار بن برد" یصوغ أفكاره منساقا وراء هذه الظاهرة خاصة عندما یرید أن بشكل بعدا وصفیا یحدد أبعاد الجمال ویجسمه .
مظاهر استخدام "المتنبی " لظاهرة التضاد فی وصفه للمرأة :
لعلنا نجد حذاقة "المتنبی ا، فی وصفه للمرأة یتمثل فی تصویره الجمالی للمرأة بین نحافة خصرها، ورقته من جانب ، وضخامة الردف وثقله من جانب آخر، الأول یرید أن ینطلق ، والثانی یشده كی یبقیه ، وذلك بحركة تزید الصورة حیویة یجذبها تحت خصرها عجز كأنه من فراقها وجل
ففكرة التضاد فی البیت أوضحت رؤیة جمالیة قوامها ذلك التصویر الرائع الذی رسمه "أبوالطیب " للمرأة المثالیة فی رأیه والتی "یدق خصرها ویعظم ردفها".
كما أننا نلمس مظهرا آخر لهذا التضاد فی قوله:
بفرع یعید اللیل والصبح نیر

ووجه یعید الصبح واللیل مظلم


فالظلمة والإشراق وجد مادتهما قی شعرها الأسود، ووجهها المشرق . والحبیبة ضیاء تبدد الظلام حیثما حلت . وتهزم فلوله أینما استقرت ، لذا اطمأن الرقباء الیها وتبدد خوفهم من أن تقوم بمغامرة لزیارة حبیبها لأن نورها سیفضحها لا محالة . فضلا عن أن رائحة المسك ستفوح منها وتكشف سرها، وهذا مصدر قلقها وخوفها
أمن ازدیارك فی الدجى الرقباء

اذ حیث أنت من الظلام ضیاء

قلق الملیحة وهی مسك هتكها

ومسیرها فی اللیل وهی ذكاء


هكذا تظهر الأضداد جمیلة وأجمل منها ایماءة خفیفة ترمز إلى قلقه هو المرهون بتعلق ت الملیحة وهی أكثر ما یمثل للحب ویجسده وهناك صورة أخرى یطالعنا فیها استهواء بفكرة شروق الشمس . فصورة وجه المحبوبة شمس النهار، ذ ات شعر أسود كلیل مظلم ، وهی كالغصن فی اعتدالها، نابت على كثبان الرمل لم تجتمع الأضداد فی متشابه الا لتجعلنی لغرمی مغنما فهو بعد أن عثر على الألوان المتضادة فی محیاها، وشعرها، قام بتشكیل صورة أخرى محسوسة، استقاها من دقة قامتها، وثقل أردافها، وكل هذه المتنافرات اجتمعت فی حسن متكامل ، متناسق
الأعضاء والطبیعة بما أملته على "المتنبی " من أحاسیس ومشاعر لم
یقف تأثره بها فی حدود هذه المشاعر وانما أضفت الى استخدامات
التضاد الناتج من مظاهرها، فالتضاد حاصل فی توظیفه للقمر دلالة على حسن الحبیبة. الذی یشبهه كالقمر فی تمامه ، عندما یرتفع فی علیاء سمائه ، ویشع أنواره على الكون متحركا فی رحلته الأبدیة إلى عالم آخر، وقد خلف روحا معذبة تهیم فیه وجدا. وأخذ الشوق منها مأخذه ، حتى ان نحول جسمه بدا كالقمر فی المحاق.
وقد أخذ التمام البدر فیهم

وأعطانی من السقم المحاق


على هذه الصورة تجمعت عناصر الصورة فی وجه الحبیب الراحل ، وذبول وجه المحبوب ونحوله لأنها مقابلة تعمل عملها فی النفس البشریة، وتغور فی عالمها البعید لتصل إلى ضروب الألوان المعقدة التی تشكل تضادا فی نهایة المطاف .
استخدام "المتنبی " للون كملمح لظاهرة التضاد:
یتردد كثیرا فی شعر "المتنبی " الغزلی تنازع الأضداد المتمثل فی "الألوان " فهو بریشته الفنیة المبدعة نلمح مقدرته على استخراج الألوان من منابعها، وهی تنبض بالحیاة، وتتدفق بالحیویة، فالبیاض بنصاعته هو اللون المفضل عند شاعرنا فی وصفه ، واضافة قلیل من اللون الأصفر یعطینا صورة شفافة ""اقتبسها من واقع حیاته البدویة، التی عاشها أیام شبابه یجوب البادیة والصحارى، حیث ناموسها الوداع ، والفراق ارتحال الأحبة، وما یعقب ذلك من الالم والبكاء على آثار الدیار..."(18) فتكشف الحبیبة عن وجهها فی لحظات الوداع ، وقد أخذ منها الألم صفرة وشحوبا
على محیاها. ولذلك ترى اللون بارزا فی ترجمة تلك المشاعر التی تبرز من وراء البراقع التی تستر محاجر الوجه .
سفرت وبرقعها الفراق بصفرة

سترت محاجرها ولم تك برقعا


فظا هرة "الطباق" تتمثل فی " سفرت " و" سترت " و"الجناس الناقص " قی الوقت نفسه بین الحكمتین ، وذلك للدلالة على مظهر الجمال الذی شكله اللون ، كأحد عناصر الصورة الفنیة المنبثقة من ظاهرة التضاد.
و"اللون الأصفر" أخذ مكانه فی رسم الصورة الكلیة لدى وصف "المتنبی "، فهو فنان مبدع یطرح دلالة ذلك اللون للتعبیر عن الخوف والفزع الذی ألم بهذه الحبیبة وهی ترى حبیبها ذابلا قالت ، وقد رأت اصفراری من به ؟ وتنهدت ، فأجبتها المتنهد فمضت وقد صبغ الحیاء بیاضها لونی كما صبغ اللجین العسجد فاللون الأصفر الممتزج بالبیاض یصور لنا موقفا من مواقف الحب لدى ا"المتنبی "، وهو یرسم حبببته مذویا عودها من شدة
الوجد وقد هالها حال حبیبها، فأنكرت ما به ، وجزعت لمصابه وتساءلت فی غیظ واشفاق ترى من الجانی . ، ثم أرسلت من فؤادها زفرات مستعرة حرقت كبدها جزعا علیه ، ورحمة به فأجابها أنت قاتلتی .
ویعزی "أحمد الطبال " فی كتابه عن المتنبی ظاهرة الأضداد المتمثلة فی الألوان والمترددة(19) كثیرا فی غزله الى كونه متشبعا ببعض الأفكار الفلسفیة السائدة فی عصره ، وأكاد أؤكد بأنه استقاها من "الفارابی" الذی اجتمع به فی بلاط سیف الدولة لمدة عامین وذ لك استنادا الى الخلفیة
(20) التاریخیة لحیاته .
التضاد فی غزل المتنبی :
أعتقد جازما بأن سر نجاح "أبی الطیب المتنبی " فی تشكیلاته للصور المتضادة التی یعتمد فیها على الفكر والحس لا على جمال الصور الكامنة فی المجاز أو الكنایة أو الاستعارة ففی تلك السمة یصحبنا "المتنبی " فی غزله إلى عالم واسع ممتد تختلط فیه الألوان ، وتتسع عبره الأبعاد لتشكل صورا جدیدة مثیرة، فهو یستقی فی وصفه لحبیبته بقوله :
كل خمصانة أتق من الخمر

بقلب أقسى من الجلمود


صور مادیة تتمثل فی ضمور خصرها ورقتها، ویقابلها بأخرى معنویة یجدها فی قسوة قلبها الذی امتنع عن الرحمة، وغلق أبوابه فی وجه الشفقة، فهو كالصخر أو أشد صلابة، كما أنه یقابلها مع الرقة التی أراد بها قوتها وصفاء لونها مع تلك الصلابة .
ویجمع فی مثال آخر صورتین متنافرتین یستخلص منهما مثالا للجمال الذی یز!كیه السكون والحركة فی وجه هذه الحبیبة . وعبر هذا التداخل یصل إلى صورة عمیقة فی معناها. ذلك أنها كیفما تحركت فالحسن كامن ، ساكن فی محیاها.
تناهى سكون الحسن فی حركاتها

فلیس لراء وجههالم یمت غدر


وفی أمثلة أخرى تظهر مظاهر هذا التضاد، ومن ذلك قوله :
أرینك أم ماء الغمادعة أم خمر

بفیء برود وهی فی كبدی حجر


فهنا نرى صورة برد الرضاب فی تحفرها، وأثره على نفسه ، واستحالته ، بدواعی الهوى جمرا أحرق كبده ، وبذا جمع برد الرضاب ، واحتراق الكبد فی صورتین متضادتین ، ومن تفاعلهما تظهر روعة الابداع .
ویكرر نفس المشهد فی موضع آخر لیصف ملت اق الترشف من
فیها فیقول .
ترشفت فاها سحرة فكأننی

ترشفت حر الوجد من بارد الظلم


الخصائص الفنیة فی شعر الغزل عند المتنبی :
بعد أن رحلنا فی غزل "المتنبی "، ونظرته للمرأة، نستطیع أن نقول ان "المتنبی " خرج بالشعر العربی إلى آفاق جدیدة لم یطرقها الشعر من قبل ، فقد سار بالشعر فی نفسر الطریق التی سلكها الشعراء من قبل فمدح . وهجا ووصف ورثى، وشبب وافتخر، وعاتب وسخر، إلا أن له جهودا فی كثیر من زوایا الانتاج الفنی واتجاهات جدیدة فی الشعر العربی طبعت انتاجه الخاص ومیزته بالعدید من المزایا.
فهی من الناحیة المضمونیة المتعلقة بالغزل یحاول أن یضفی شخصیته على شعره . حتى فی تلك المطالع التی كان طابعها العام ومقصدها
المدح .
وكما أشرنا أنه یلجأ الى الرمز فی غزله ، فیحمله عبء تجربته الطموح ، الخاصة المتفردة، فربطها بتجربة الحب بكل أبعادها النفسیة والوجدانیة والانسانیة، ولعل هذا الجانب یكشف عن توتر الشاعر بین الواقع والمثال ، أو عن احساسه بمأساة القیم فی عصره وموقفه من هذه المأساة أو عن حرقة داخلیة، ورغبة فی التحرر منها.
واذا نظرنا إلى الأسلوب فی هذا الجانب الرمزی فنجده ماثلا فی كثیر من أبیاته مثل قوله :
أما الأحبة، فالبیداء دونهم

فلیت دونك بیدأ دونها بید


فقد استخدم الشاعر لفظ (الأحبة) وتعبیر (حبیب القلب ) بمعنى الآمال البعیدة وكذلك (البیداء) التی ترمز إلى العقبات والوعورة. انها بیداء نفسیة اجتماعیة ولیست بیداء الطبیعة ونجد فی غزله قوة العاطفة، وعمق الانفعال شدید التأثر والتأثیر ویتجلى ذلك خاصة، فی ناحیتین قد تبدوان متناقضتین .
أولها: رنة الأسى والحزن والتأثر الشدید، وذلك ناتج عن قوة العاطفة التی یكنها "المتنبی " ولا یستطیع أن یبوح بها بشكل مباشر . ولعل هذا یتحول الى اطارآخر یترجمه الطابع المثلی والحكمی والشكوی والشجن . وتلك هى طبیعة المحب العاشق دائمأ .
وثانیها: تعبیر "المتنبی " عن طموحه ، واعتداده بنفسه وترفعه عن كل من حوله ، وهی نغمة محببة إلى نفسه ، كشفتها أبیاته السابقة التی وصف بها "خولة" أخت سیف الدولة .
ویحظى غزل "المتنبی " نتیجة لذلك بعمق شدید فی معانیه ، وألفاظه ، فكما رأینا یلجأ الى استخدام ظواهر البلاغة "كالطباق " و"المقابلات " و"الأسالیب الخطابیة"، ویربط فی استعماله للألفاظ بایحاءاتها، "أصواتها"، لأنها تتضمن حروفأ ملائمة لعواطف الحب ، والغزل وغیر ذلك من عواطف الشجن الفریدة التی تحلى بها "المتنبی ".
وأخیرأ انطلق "المتنبی " من تجربة فریدة فی الحب شعارها ذلك المحبوب الذی تاق إلیه . فجعل منه شخصا فریدأ له تجلیاته ، وعبقه الخالص لدیه ویكفیه أن یصفه بقوله :
لئن تركن ضمیرا عن میامننا

لیحدثن لمن ودعتهم ندم


الهوامش :
1 - العمیدی الإبانة عن سرقات المتنبی ، تحقیق ابراهیم دسوقی ،" ادار المعارف" 1959ص190.
2 - الوساطة بین المتنبی وخصومه ، الجرجانی "دار المعارف"
ص 37.
3 - المصدر نفسه 267.
4 - المصد ر المشار ( 1 ) ص 193
5 - المصدر نفسه ص 272
6-القیدود: الطویلة الامالید الناعمات
7 - دیوان المتنبی 56/1 ، وكل الشواهد التالیة مر شعر المتنبی مأخوذة عن دیوانه .
8 - أبو الطیب المتنبی:ریجیس بلاشیر: ترجمة ابراهیم الكیلانی ، ط 2 دار الفكر،
9 - علی الجندی غزل المتنبی وحبه ط 1، دار الفكر. القاهرة، 1971 ص 108.
10- الغزل منذ نشأته: سامی الدهان ط 1 ،مكتبة الاریاف. عمان. الأردن 1983.
11 - مقدمه القصیدة عند أی تمام وألمتنبی: د سعید شلبی . ط مكتبة غریب القاهرة .
12 -الناهب الرجل الشجاع الوقور.
13 -الغوانی الحسان طمح النظر ارتفع .
14 - لعل أهم الدراسات دراسة للسباعی بیومی ، وكذلك دراسة لابراهیم
العریض المتنبی بعد ألف عام.
15 -صدر البیت ولدار بدر قبلها قلد الشهباء
16 -عجز البیت یقرع یصیر اللیل والصبح نیر.
7 1 -الشعر ومذاهبه د. شوقی صیف ط دار المعارف. 82 9 1 ص 60 1
18 -شعرالمتنبی د. محمدإلشماع السابق ص 85
19 -المرأ ة و شعر المنتبی د. حمد الشماع السابق ص 87
20 -المتنبی دراسة نصوص من شعره آحمد ألطبال ط 1 المكتبة الحدیثة طرابلس 1985 ، ص 124
http://www.nizwa.com/browse1.html