الحماسة فی شعر المتنبی
وتبعا لهذه الملاحظات یتطلب منّا العمل أن نتجاوز دراسة
محور الحماسة عند المتنبی أو أبی تمام أو ابن هانىء أو سواهم بعیدا عن
النمطیّة الجاهزة والتبویب الاعتباطی الحاضر نتیجة أحكام استباقیّة تتحكم
فیها مواقف ما قبلیّة.
فأین تجلّیات الحماسة عند المتنبی؟ وماهی الدواعی التی عزّزت إبرازها وغلوّهاأحیانا فی شعره؟
إن من أهمّ المظاهر التی تتجلّى من خلالها حماسة أبی الطیب سمة التمرّد والتغنّی والتسامی والتعشق للقوّة فی كلّ مظاهر الكون بما یجعل من الإنسان یستمدّ كل معانی وجوده من هذه السّمات.
وقد تجسّدت هذه الرؤیة المتسامیة فی تحمیس الذّات وتحمیس الآخر. لذلك نرى أنّ شعر المتنبی الحماسی یكشف عن موقف الشاعر من نفسه وما یحمّلها إیّاه من متاعب جمّة وعن موقفه من العالم الخارجی وما یشترطه فیه وجوبا من ضرورات حتى یستطیع التناغم معه والتعایش. وهذا الآخر قد یكون ذاك الذی عاصره المتنبی أو حتى القارىء فی كل زمان ومكان.
إنّ أبا الطیب یتعامل مع ما حوله بكثیر من الرفض والثورة. فلیس من الهیّن علیه أن یتقبّل أمرا لم یتوافق مع أفكاره ومبادئه ونظرته الى الحیاة. فلقد رسم لنفسه حدّا لا أقل منه، ویظهر ذلك فی أكثر من مقام وأكثر من غرض وفی جلّ مراحل عمره: فی بدایة تجربة الحیاة، وبعد أن ضرب فی الأرض وخبر البلاد والعباد.
فالحمیّة اخترقت خلایاه وتخلّلت عقله وتغلغلت فی وجدانه حتى بدا الصبی أبو الطیب قد قفز على عمره وكسّر النمطیّة الجاهزة عن معالم الطفولة. فقد توطّنت فیه كبریاء العظماء وقوّة الرجال وصلابة الفحول وهو ما یزال فی سنّ الصبى بعیدا جدّا عن التبكیر تجاه أفكار الكبار:
أیّ محلّ أرتقی * أی عظیم أتّقی
وكلّ ما قد خلق * الله وما لم یخلق
محتقر فی همّتی * كشعرة فی مفرقی
تبدو قعقعة القاف مدوّیة، وهو الصوت الحلقی المزدوج الشدّة والحرف الحلقیّة الأخرى مزیجا من الأنین (الهمزة مرّتین) (ثم مرّة) فی البیت 1 ومزیجا من الاختناق (العین والخاء والحاء..) حتى بدا الكون مبعث اشمئزاز یستفزّ مجرّد العیش فیه أنفة المتنبی ویتوّقه فی تحمّس باد صوت الأعلى والأعظم والأمثل والنظر فی شعر الصبی یوضّح بجلاء أنها لیست مسألة عرضیة تلك التی تشغل المتنبی، ففی باطنه ما یدفع الى الحلم المنشود تلبیة لما یرومه «الطفل الكبیر» حتى كأنّ أبا الطیب ولد أصلا كبیرا وسیظلّ یحدّد لنفسه عبر مراحل حیاتها علامات السیر وأهداف الرحلة:
إن أكن معجبا فعجب عجیب * لم یجد فوق نفسه من مزید
وهذا الطفل الأعجوبة هو الذی سیلزم أبا الطیب بأن «یفترش» «صهوة الحصان» ویغامر الى عالم قدسی خارق للموجود صوب النجوم
مفرشی صهوة الحصان ولكنّ * قمیص مسرودة من حدید
ولیس إلا بهذا النهج الحركی یتمكّن المتنبی من إدراك الهدف:
إذا غامرت فی شرف مروم * فلا تقنع بما دون النجوم
وهو یعلم أنّ مثل هذه الرحلة لیست بالهیّنة، ولكن لا اختیار لمن ارتأى لنفسه طریقا مخصوصة به:
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت فی مرادها الأجسام
فالمتنبی یقسو على نفسه یحمّلها من المشاق ما لا طاقة للإنسان العادی به وكأنّه یروّضها على ماهو من مشمولاتها أو من المقتضیات التی یحب أن تصبح جزءا من مكتسباتها، مرغما لها على أن تكسّر الموروث.
وبهذا المنطق المتشدّد مع الذات، كأنّ المتنبی یعلم كل ذی نفس مهزوزة أو ضعیفة أنّ السبیل الى الانسانیة فی الإنسان لا تستوجب تردّدا أو تحتمل تشكیكا:
إذا اعتاد الفتى خوض المنایا * فأهون ما یمرّ به الوحول
یهون علینا أن تصاب جسومنا * وتسلم أعراض لنا وعقول
فالتضحیة بالجسد/ بالمادّة مهما عظمت هی السبیل الرئیسی لنیل الشرف الأخلاقی والعلمی.
إنّ المتنبی الإنسان والمتنبی الشاعر یتقابسان نار السیّادة ولذة الشموخ. وبذلك یتحوّل المتنبی رائد یحمّس النفوس الخائرة والمستخفین بالمنزلة العلیا على أن یراجعوا مفاهیمهم للكون. فالحماسة هنا تبدو أكثر من مجرّد حالة وإنما هی موقف وقرار ومسؤولیة وهی لیست أمرا اختیاریّا أو عرضیّا ظرفیا، بل هی سمة قارّة أساسیّة، إذ انتفت انتفى معها كنه الوجود وسرّ الحیاة.
لذلك حمّل المتنبی نفسه أعباء الحركة وحرّم علیها الركون الى الراحة لأن الراحة أصلا هی التعب السلبی، والتعب هو الراحة الایجابیّة.
یقول لی الطیب: أكلت شیئا؟ * وداؤك فی شرابك والطعام!
وما فی طبّه أنّی جواد * أضرّ بجسمه طول الجمام
فإن أمرض، فما مرض اصطباری * وإن أحمم فما حّم اعتزامی
فحتى لحظة المرض تصبح من المحرّمات لأنها العدّوة للحماسة والشدّة، تعوّد على الاسترخاء وتعلّم اللیونة، إنها باختصار عدوّة الرجولة.
ومن نفس المنطلق اعتبر الخمرة والمرأة عدوّتین لدودتین لأنهما مثل المرض:
ضعف ووهن للبدن والعقل وشدّ الى الاستقرار والجلوس:
ولا تحسبن المجد زقا وقینة * فما المجد إلا السیّف والفتكة البكر
وهذا ما یفسّر تمازج لغة العشق النسائی بعشق السلاح:
وغیر فؤادی للغوانی رمیّة * وغیر بنانی للزجاج ركاب
تركنا لأطراف القنا كل شهوة* فلیس لنا إلا بهنّ لعاب
وهذا ما یفسّر كذلك شبه خلوّ دیوان المتنبی من الغزل وهو الشاعر الذی ملأ الدنیا وشغل الناس.
إنّ فی هذا دلیلا جلیّا على أنّ ما یرنو إلیه یوجد فوق الأرض، هناك حیث المجد والأنا الأرقى بعیدا عن جاذبیّة النساء والخمّارات والجنس.
ولم یكن المتنبی مجرّد منظر للحماسة ومبدإ الشدّة، بل كان یعیش ذلك شاعرا وإنسانا. فقد تحمّس للكلمة الصادقة النابضة بأصالة العرب بعیدا عن كل عجمة ورطانة ودخیل، فلغة الأجداد لیست فی حاجة الى ردیف یشدّ أزرها بل هی قادرة بذاتها شموخا وصمودا فما حذقه المتنبی من بداوتها جعله مقتنعا بأنّه قادر على أن یسمع الأصمّ ویرى الأكمة الأعمى:
أنا الذی نظر الأعمى إلى أدبی * وأسمعت كلماتی من به صمم
ولهذا حقّر كل من قصّر عن القصیدة العربیة ولم یرق الى مستوى فصاحتها وبیانها:
بأیّ لفظ تقول الشعر زعنفة * تجوز عندك، لا عرب ولا عجم
ولعلّ هذا من الأسباب القویّة التی دفعت المتنبی للتعریف «بالمتنبی شاعرا» بین الآفاق وترتفع بشعره عن مدح من لم یكن فی مستوى الرجولة. مثل ذلك مثل ابن كیغلغ الذی ألحّ على المتنبی لیمدحه فما كان منه إلاّ أن هجاه.
فلشعر المتنبی تحفز نحو المغامرة وایصال صوت البیان وصداح البلاغة فی عصر كثر فیه العجم والعبید.
فلا بدّ أن یتوفر شعره على القدر الأعلى فی تحمّل الرسالة خدمة لقضیة العرب: اللّغة بوصفها الهویّة والانتماء والمستقبل.
وقد تحمّل أبو الطیب أعباء تلك الرسالة فحبّب الى النفس كل المعانی العربیّة الشامخة الضاربة بجذورها فی عمق الصحراء وشدّة البداوة وقساوة الحرارة.
حبّب الحریة ونفرّ من العبودیّة، وتغنى بالقوة وتأنّف من الجبن.
وأنشد أناشید الحرب وأغرى بساحات الوغى ولذائد النصر حتى بدت من الصور أغربها ومن الأبعاد أطرفها.
فالمتنبی رسم لنفسه هدفا فوق المعقول:
أرید من زمنی ذا أن یبلّغنی * ما لیس یبلغه من نفسه الزمن
فعزّة الشموخ قد التصقت بأبی الطیب حتى أصبحت ضربا من الغنائیّة العجیبة أحیانا مثلما تجلوه الأبیات التالیة:
لا افتخار إلاّ لمن لا یُضام * مدرك أو محارب لا ینام
لیس عزما ما مرّض المرء فیه *لیس هما ما عاق عنه الظلام
واحتمال الأذى ورؤیة جانیـ * ـه غذاء تضوى به الأجسام
ذّل من یغبط الذلیل بعیش * ربّ عیش أضفّ منه الحمام
ولم یكتف بذلك بل انعكس هذا التحمّس على علاقاته بالآخر.
حماسة المتنبی فی علاقتها بالاخر:
قد یكون هذا الآخر فی جانب منه أبا الطیّب نفسه فهو مهما یكن الأمر إنسان، وقد تأخذه بین الفینة والأخرى لحظات ضعف وانكسار إلاّ أنه ینتفض ویتقاوى ویتعاظم محمّسا نفسه ولائما أحیانا أو حتى مقرّعا:
صحب الناس قبلنا ذا الزّّمانا * وعناهم من شأنه ما عنانا
وتولّوا بغصّة كلهم منـ * ـه وإن سرّ بعضهم أحیانا
.. ولو أن الحیاة تبقى لحیّ * لعددنا أضلّنا الشجعانا
وإذا لم یكن من الموت بدّ * فمن العجز أن تموت جبانا
صحیح أن النفس العام تطعن علیه غنائیة المنهار المستضعف ولكن القسوة الذاتیة من عمق الشخصیة تأبى التسلیم والرضوخ وتتوجه الى كل من یتربّص به الفناء كی یرفض الموت ویتمرّد علیه. إنّ الحلّ للخلود فی رفض الجبن أمام القضاء وأمام الزمان.
إنّه درس فی وجوب التمرّد وسبیل البقاء.
إنّ المتنبی ینتفض من بین أنقاض الهزیمة والاحباط لیجمع ما تشتّت من قواه الخائرة فی صراع بین القدرة والإمكان والممكن والمستحیل والكائن وما یجب أن یكون.
أبو الطیب یروّض النفوس على اختراق المستحیل وبدون ذلك لا یكون المرء جدیر بإنسانیته، فمقیاس الإنسان الحق أن یتعفّف ویترفّع فی صبر ضدّ قانون الطبیعة ذاته:
وأصدى فلا أبدی الى الماء حاجة * وللشمس فوق الیعملات لعاب
وإنّ المطّلع على مدحیّات المتنبی یلاحظ اصرارا عنیدا على جملة من القیم استهوته وأحبّها فی من مدح صادقا أو طبقا لمقتضیات طبیعة المدحیّة القاضیة بوجوب تمجید الممدوح.
فالقاموس الحماسی ینهل من مبادىء عربیّة ترّسخ للرجولة فی أعمق معانیها سواء أتعلق الأمر بما هو مجرّد طبع فی الانسان أو ماهو ضرورة من ضرورات الدفاع عن النفس والعرض والوطن.
فقد أفاض من عالمه الاسقاطی على من مدح من العظماء فحبّب للمتلقی الرجل الكریم الشجاع الفاعل.
ویتجلّى هذا بالخصوص فی استقرار أبی الطیب تسع سنوات مع سیف الدولة رغم كونه یأبى الاستقرار ویدعو جاهدا الى الحركة. ففی سیف الدولة ممیّزات رجولة وصلف وكبریاء. یضاف الى ذلك صفات المروءة التی تصبح علامة استفزاز ایجابیّة للجمیع، خاصة أنّ سیف الدولة تحولت المبادىء النظریة معه واقعا ملموسا یمارس للدفاع عن العروبة والاسلام.
یكلّف سیف الدولة الجیش همّه * وقد عجزت عنه الجیوش الخضارم
فلم تعد البطولة مجرّد قول فی معجمیّة الممدوح، وفی هذا تماه مع الماح:
أقلّ فعالی بلّه أكثر مجد * وذا الجدّ فیه نلت أم لم أنل جدّ
ومن نفس المنطلق تتحول القصیدة الهجائیة تجسیما لوهن قوى المهجو وخور عزیمته وكثرة نواقصه الرّجولیة وفی هجاء كافور مثلا ما یحمّس النفس والعقل معا أفرادا وجماعات للاستنكاف من كلّ ماهو انهیار قیمی كالخسّة والنذالة:
أمینا وإخلافا وغدرا وخسّة * وجبنا، أشخصا لحت لی أم مخازیا؟
فلا یتوقّف مفهوم الحماسة على غرض بعینه أو شخص أو زمان، فحتى عندما رثى جدّته، عوض أن یضعف المتنبی نراه یعلم الناس كیف تقلب.
ساعة الانحناء استقامة، ولحظة الیأس اندفاعا ووثوبا
كذا أنا یا دنیا إذا شئت فاذهبی * ویا نفس زیدی فی كرائهها قدما
فلا عبرت بی ساعة لا تعزّنی * ولا صحبتنی مهجة تقبل الظلما
إنّ معانی الحماسة فی قاموس المتنبی قد بلغت من الغرابة أحیانا أن تطال حالات یكون فیها الانسان مجبولا على القبول والتلطّف واللّین
فحتى المرأة الحبیبة إذا ما علقها الرجل، یجب أن تتحوّل عنصرا محفّزا لا مثبّطا، وعنصر تعال لا تدنّ.
لذلك استمالته المرأة البدویة لما هی علیه من طباع وسلوك تساهم فی إشعار الرجل برجولة مزدوجة، فارتباطه بها إنّما هو تقویة للصدق والجمال وكذلك الصلابة والإباء:
حسن الحضارة مجلوب بتطریة * وفی البداوة حسن غیر مجلوب
فالمتنبی ینفر من الرّیاء والكذب حتى بأصباغ الزینة والكلام. فللمرأة قدر من «الرجولة» لا بدّ أن یتوفر فیها لتكون جذّابة محترمة یخفق لها الوجدان والعقل معا. وفی هذا انتماء واضح الى أصالته المعهودة:
سوائر ربّما سارت هوادجها *منیعة بین مطعون ومضروب
وربّما وخدت أیدی المطیّ بها *على نجیع من الفرسان مصبوب
فاللغة والصورة غریبتان على غرض مثل الغزل: (الطعن والضرب والمناعة والنجیع والفرسان..) وكأنّنا فی ساحة وغى وقتال. إنها ملحمة الحبّ وهیجان الرجولة حتى فی الوقت الذی من المفروض أن تهدأ. فإذا كانت المرأة العادیة عنوان اضعاف للرجل فإنّ امرأة أبی الطیب تتحوّل عنصر تقویة لبثّ المزید من الشدّة. وقد تفاعل الشاعر مع هذا النمط من التفكیر والشعور، فاستهواه وتجلّت ملامحه فی غرض المدح.
فصورة النصر الباهر الذی توفرت مظاهره العدیدة على یدی سیف الدولة انتقل انبهارها الى قریحة أبی الطیب فهیّجت فیه شجون حبّ وهیام الى حدّ یشبه العشق والانتشاء الساحر. إنه یتملّى الجثث المتناثرة فوق جبل الأحیدب وقد أثخن القائد العربی فی صفوف الروح فبدّد شملهم وأنهك قواهم، فإذا المشهد مشهد زفاف وعروس ومدعوّین:
نثرتهم فوق الأحیدب كلّه * كما نثرت فوق العروس الدراهم
.. ولست ملیكا هازما لنظیره * ولكنّك التوحید للشرك هازم
تتداخل ملحمة القلب بملحمة الروح بملحمة الصورة العقلیّة الایحائیة.. ولا غرابة من منطق المتنبی: فقلبه یخفق حبّا وارتیاحا، وروحه تسبح لنصر الله فی شخص الممدوح، وعقله متفتّقة قریحته على صور إبداعیة ایحائیة تبحث عن الجدید غیر المسبوق.
فعین المتنبی متحمسة فی كل مقام ومع كل غرض وكل شیء، لأنها بكلّ بساطة لیست مستعدّة لغیر ذلك كی تراه وتتعشقه.
ولعلّ هذا ما یفسّر من بعض الوجوه، غیاب المقدّمات الطللیّة النسائیة العاطفیّة فی عدد من المدحیّات أو إیجازها أحیانا أخرى.
فالمتنبی لیس مستعدّا للوقوف أصلا، فما بالك إذا كان الوقوف للبكاء والضعف والتوّع.
لذا عوّض العقل القلب فی كثیر من مقدّمات المدحیّات، فحضرت الحكم والتأمّلا:
لكل امرىء من دهره ما تعوّدا * وعادات سیف الدولة الطعن فی العدى
أو قوله:
على قدر أهل العزم تأتی العزائم** وتأتی على قدر الكرام المكارم
وتعظم فی عین الصغیر صغارها** وتصغر فی عین العظیم العظائم
أبیات تدور على بعضها بعضا لتصنع فنّ التعشق للعظمة والبطولة والإباء، فیصبح منه بطل القصیدة عروبة تقارع عجمة، وإسلاما یناجز كفرا:
تشرّف عدنان به لا ربیعة * وتفتخر الدنیا به لا العواصم
فهذا البیت ورد فی آخر القصیدة لیفصّل القول فی ما تنبّأت به المقدّمة الحكمیّة، فالبطل الأسطوری یشده الرجال إلیه ویمنع الفراق ویعسّره:
یا من یعزّ علینا أن نفارقهم * وجداننا كل شیء بعدكم عدم
ورغم أنّ عصر المتنبی (القرن 4هـ) تباعدت فیه المسافة عن العصر الجاهلی وقیمه فإن عقل المتنبی ظل لصیقا به حتى كأنه غریب عن عصره ممّا عسّر العلاقة مع الآخر ـ فكافور ـ مثلا ـ كان نموذجا للرجل الذی كوّن نفسه بنفسه فقد قال فیه خیر الدین الزركلی فی «الأعلام»: «مازالت همّته تصعد به حتى ملك مصر سنة 355 هـ. وكان فطنا ذكیّا حسن السیاسة.. قام بتدبیر المملكة. قال الذهبی: كان عجبا فی العقل والشجاعة» ورغم كل هذه الشهادة الصارخة، فإنّ قراءة المتنبی لشخصیّة كافور أفسدت علیه رؤیة تلك الخصال، فأبو الطیب مأخوذ بعقلیّة عصبیّة عنصریة تحتقر المرء لمجرّد لونه الأسود، فكان ذلك وحده كفیلا بأن یطمس ما طبع بلاط الملك بأرقى أنواع المعرفة والمناظرات والمساجلات الفكریّة والأدبیّة فلم یبق من الرجل إلا جلدة زیتیة وشفران غلیظان ورجلان مضخمتان حتى كأنه السلیخة التی یُرمى بها فی سلة القمامة: نتونة وخصی ینفی كلاهما كلّ رجولة وكل سیادة.
من علّم الأسود المخصیّ مكرمة * أقومه البض أم أباؤه الصید
أم أذنه فی بد النخّاس دامیة * أم قدره وهو بالفلسین مردود؟
موقف واضح من الأعاجم كان من المفروض أن تغلیه عقلیّة الإسلام السمحة.
وهكذا نفهم كیف انتقى أبو الطیب أبطال أشعاره رمزا للبهاء فعلا، ورمزا للبهاء أصلا.
إنّ فكر الانتصار یجعل من الرجل قادرا حتى لو كان منفردا فی عصر الهزائم والانقسامات. وبهذا الاستثناء الخارج عن وعلى القاعدة جسّم بطله سیف الدولة:
وقفت وما فی الموت شك لواقف * كأنّك فی جفن الرّدى وهو نائم
وهذا ما یفسّر كذلك إعجاب الشاعر ببدر بن عمار وتصرّفه مع الأسد، فكان الرجل الأسطورة التی لا تحدث دائما:
أمعفّر اللیث الهزبر بسوطه * لمن إدّخرت الصارم المصقولا
.. سبق التقاءكه بثوبة هاجم * لو ل تصادمه لجازك میلا
خذلته قوّته وقد كافحته * فاستنصر التسلیم والتجدیلا
.. ما كلّ من طلب المعالی نافذا * فیها ولا كلّ الرجال فحولا
ومن یتبع جزءا من أولى مدحیّات المتنبی فی سیف الدولة یزداد تأكدا من تغلغل الحسّ الحماسی الملحمی الذی امتلك جوارح الشاعر فتواثبت لدیه الصور تدور على نفسها فی تناغم داخلی یحاكی دوران الجیش على الجیش والتحام الأبطال بالأبطال حتى تخترقك الكلمة بإیحاءاتها تفعل فعل الساحر فی جلبه لأمجاد الأجداد عروبة وإباء واصرارا. طبیعة متحرّكة صبحا لیلا وسیوفا وقنا، تتآزر لتصنع المجد والسؤدد جناس وطباق ومقابلات واطناب وتكرار
صور تولّد صورا فی لغة لا تعترف بخدیل، فی قدرة عجیبة على الإخصاب الذاتی:
فقد ملّ ضوء الصبح ممّا تغیره * وملّ سواد اللیل ممّا تزاحمه
وملّ القنا ممّا تدق صدوره * وملّ حدید الهند ممّا تلاطمه
سحاب من العقبان یزحف تحتها * سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه
بهذا المستوى من الرؤى الشعریة تفرّد المتنبی فاغترب، وعاش حیاة أبعد ما كون عن الهدوء والقرار. وتلك ضریبة الرجولة عندما تفرض على أصحابها ممّا عجزوا عن أن یتنكّروا للهویّة والانتماء، الانتماء الى اللّه إسلاما والى الإنسان عروبة وفی تكامل أفقی عمودی بینهما نقطة التقادح والخلود: فالإنسان قبس من روح اللّه.
فأین تجلّیات الحماسة عند المتنبی؟ وماهی الدواعی التی عزّزت إبرازها وغلوّهاأحیانا فی شعره؟
إن من أهمّ المظاهر التی تتجلّى من خلالها حماسة أبی الطیب سمة التمرّد والتغنّی والتسامی والتعشق للقوّة فی كلّ مظاهر الكون بما یجعل من الإنسان یستمدّ كل معانی وجوده من هذه السّمات.
وقد تجسّدت هذه الرؤیة المتسامیة فی تحمیس الذّات وتحمیس الآخر. لذلك نرى أنّ شعر المتنبی الحماسی یكشف عن موقف الشاعر من نفسه وما یحمّلها إیّاه من متاعب جمّة وعن موقفه من العالم الخارجی وما یشترطه فیه وجوبا من ضرورات حتى یستطیع التناغم معه والتعایش. وهذا الآخر قد یكون ذاك الذی عاصره المتنبی أو حتى القارىء فی كل زمان ومكان.
إنّ أبا الطیب یتعامل مع ما حوله بكثیر من الرفض والثورة. فلیس من الهیّن علیه أن یتقبّل أمرا لم یتوافق مع أفكاره ومبادئه ونظرته الى الحیاة. فلقد رسم لنفسه حدّا لا أقل منه، ویظهر ذلك فی أكثر من مقام وأكثر من غرض وفی جلّ مراحل عمره: فی بدایة تجربة الحیاة، وبعد أن ضرب فی الأرض وخبر البلاد والعباد.
فالحمیّة اخترقت خلایاه وتخلّلت عقله وتغلغلت فی وجدانه حتى بدا الصبی أبو الطیب قد قفز على عمره وكسّر النمطیّة الجاهزة عن معالم الطفولة. فقد توطّنت فیه كبریاء العظماء وقوّة الرجال وصلابة الفحول وهو ما یزال فی سنّ الصبى بعیدا جدّا عن التبكیر تجاه أفكار الكبار:
أیّ محلّ أرتقی * أی عظیم أتّقی
وكلّ ما قد خلق * الله وما لم یخلق
محتقر فی همّتی * كشعرة فی مفرقی
تبدو قعقعة القاف مدوّیة، وهو الصوت الحلقی المزدوج الشدّة والحرف الحلقیّة الأخرى مزیجا من الأنین (الهمزة مرّتین) (ثم مرّة) فی البیت 1 ومزیجا من الاختناق (العین والخاء والحاء..) حتى بدا الكون مبعث اشمئزاز یستفزّ مجرّد العیش فیه أنفة المتنبی ویتوّقه فی تحمّس باد صوت الأعلى والأعظم والأمثل والنظر فی شعر الصبی یوضّح بجلاء أنها لیست مسألة عرضیة تلك التی تشغل المتنبی، ففی باطنه ما یدفع الى الحلم المنشود تلبیة لما یرومه «الطفل الكبیر» حتى كأنّ أبا الطیب ولد أصلا كبیرا وسیظلّ یحدّد لنفسه عبر مراحل حیاتها علامات السیر وأهداف الرحلة:
إن أكن معجبا فعجب عجیب * لم یجد فوق نفسه من مزید
وهذا الطفل الأعجوبة هو الذی سیلزم أبا الطیب بأن «یفترش» «صهوة الحصان» ویغامر الى عالم قدسی خارق للموجود صوب النجوم
مفرشی صهوة الحصان ولكنّ * قمیص مسرودة من حدید
ولیس إلا بهذا النهج الحركی یتمكّن المتنبی من إدراك الهدف:
إذا غامرت فی شرف مروم * فلا تقنع بما دون النجوم
وهو یعلم أنّ مثل هذه الرحلة لیست بالهیّنة، ولكن لا اختیار لمن ارتأى لنفسه طریقا مخصوصة به:
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت فی مرادها الأجسام
فالمتنبی یقسو على نفسه یحمّلها من المشاق ما لا طاقة للإنسان العادی به وكأنّه یروّضها على ماهو من مشمولاتها أو من المقتضیات التی یحب أن تصبح جزءا من مكتسباتها، مرغما لها على أن تكسّر الموروث.
وبهذا المنطق المتشدّد مع الذات، كأنّ المتنبی یعلم كل ذی نفس مهزوزة أو ضعیفة أنّ السبیل الى الانسانیة فی الإنسان لا تستوجب تردّدا أو تحتمل تشكیكا:
إذا اعتاد الفتى خوض المنایا * فأهون ما یمرّ به الوحول
یهون علینا أن تصاب جسومنا * وتسلم أعراض لنا وعقول
فالتضحیة بالجسد/ بالمادّة مهما عظمت هی السبیل الرئیسی لنیل الشرف الأخلاقی والعلمی.
إنّ المتنبی الإنسان والمتنبی الشاعر یتقابسان نار السیّادة ولذة الشموخ. وبذلك یتحوّل المتنبی رائد یحمّس النفوس الخائرة والمستخفین بالمنزلة العلیا على أن یراجعوا مفاهیمهم للكون. فالحماسة هنا تبدو أكثر من مجرّد حالة وإنما هی موقف وقرار ومسؤولیة وهی لیست أمرا اختیاریّا أو عرضیّا ظرفیا، بل هی سمة قارّة أساسیّة، إذ انتفت انتفى معها كنه الوجود وسرّ الحیاة.
لذلك حمّل المتنبی نفسه أعباء الحركة وحرّم علیها الركون الى الراحة لأن الراحة أصلا هی التعب السلبی، والتعب هو الراحة الایجابیّة.
یقول لی الطیب: أكلت شیئا؟ * وداؤك فی شرابك والطعام!
وما فی طبّه أنّی جواد * أضرّ بجسمه طول الجمام
فإن أمرض، فما مرض اصطباری * وإن أحمم فما حّم اعتزامی
فحتى لحظة المرض تصبح من المحرّمات لأنها العدّوة للحماسة والشدّة، تعوّد على الاسترخاء وتعلّم اللیونة، إنها باختصار عدوّة الرجولة.
ومن نفس المنطلق اعتبر الخمرة والمرأة عدوّتین لدودتین لأنهما مثل المرض:
ضعف ووهن للبدن والعقل وشدّ الى الاستقرار والجلوس:
ولا تحسبن المجد زقا وقینة * فما المجد إلا السیّف والفتكة البكر
وهذا ما یفسّر تمازج لغة العشق النسائی بعشق السلاح:
وغیر فؤادی للغوانی رمیّة * وغیر بنانی للزجاج ركاب
تركنا لأطراف القنا كل شهوة* فلیس لنا إلا بهنّ لعاب
وهذا ما یفسّر كذلك شبه خلوّ دیوان المتنبی من الغزل وهو الشاعر الذی ملأ الدنیا وشغل الناس.
إنّ فی هذا دلیلا جلیّا على أنّ ما یرنو إلیه یوجد فوق الأرض، هناك حیث المجد والأنا الأرقى بعیدا عن جاذبیّة النساء والخمّارات والجنس.
ولم یكن المتنبی مجرّد منظر للحماسة ومبدإ الشدّة، بل كان یعیش ذلك شاعرا وإنسانا. فقد تحمّس للكلمة الصادقة النابضة بأصالة العرب بعیدا عن كل عجمة ورطانة ودخیل، فلغة الأجداد لیست فی حاجة الى ردیف یشدّ أزرها بل هی قادرة بذاتها شموخا وصمودا فما حذقه المتنبی من بداوتها جعله مقتنعا بأنّه قادر على أن یسمع الأصمّ ویرى الأكمة الأعمى:
أنا الذی نظر الأعمى إلى أدبی * وأسمعت كلماتی من به صمم
ولهذا حقّر كل من قصّر عن القصیدة العربیة ولم یرق الى مستوى فصاحتها وبیانها:
بأیّ لفظ تقول الشعر زعنفة * تجوز عندك، لا عرب ولا عجم
ولعلّ هذا من الأسباب القویّة التی دفعت المتنبی للتعریف «بالمتنبی شاعرا» بین الآفاق وترتفع بشعره عن مدح من لم یكن فی مستوى الرجولة. مثل ذلك مثل ابن كیغلغ الذی ألحّ على المتنبی لیمدحه فما كان منه إلاّ أن هجاه.
فلشعر المتنبی تحفز نحو المغامرة وایصال صوت البیان وصداح البلاغة فی عصر كثر فیه العجم والعبید.
فلا بدّ أن یتوفر شعره على القدر الأعلى فی تحمّل الرسالة خدمة لقضیة العرب: اللّغة بوصفها الهویّة والانتماء والمستقبل.
وقد تحمّل أبو الطیب أعباء تلك الرسالة فحبّب الى النفس كل المعانی العربیّة الشامخة الضاربة بجذورها فی عمق الصحراء وشدّة البداوة وقساوة الحرارة.
حبّب الحریة ونفرّ من العبودیّة، وتغنى بالقوة وتأنّف من الجبن.
وأنشد أناشید الحرب وأغرى بساحات الوغى ولذائد النصر حتى بدت من الصور أغربها ومن الأبعاد أطرفها.
فالمتنبی رسم لنفسه هدفا فوق المعقول:
أرید من زمنی ذا أن یبلّغنی * ما لیس یبلغه من نفسه الزمن
فعزّة الشموخ قد التصقت بأبی الطیب حتى أصبحت ضربا من الغنائیّة العجیبة أحیانا مثلما تجلوه الأبیات التالیة:
لا افتخار إلاّ لمن لا یُضام * مدرك أو محارب لا ینام
لیس عزما ما مرّض المرء فیه *لیس هما ما عاق عنه الظلام
واحتمال الأذى ورؤیة جانیـ * ـه غذاء تضوى به الأجسام
ذّل من یغبط الذلیل بعیش * ربّ عیش أضفّ منه الحمام
ولم یكتف بذلك بل انعكس هذا التحمّس على علاقاته بالآخر.
حماسة المتنبی فی علاقتها بالاخر:
قد یكون هذا الآخر فی جانب منه أبا الطیّب نفسه فهو مهما یكن الأمر إنسان، وقد تأخذه بین الفینة والأخرى لحظات ضعف وانكسار إلاّ أنه ینتفض ویتقاوى ویتعاظم محمّسا نفسه ولائما أحیانا أو حتى مقرّعا:
صحب الناس قبلنا ذا الزّّمانا * وعناهم من شأنه ما عنانا
وتولّوا بغصّة كلهم منـ * ـه وإن سرّ بعضهم أحیانا
.. ولو أن الحیاة تبقى لحیّ * لعددنا أضلّنا الشجعانا
وإذا لم یكن من الموت بدّ * فمن العجز أن تموت جبانا
صحیح أن النفس العام تطعن علیه غنائیة المنهار المستضعف ولكن القسوة الذاتیة من عمق الشخصیة تأبى التسلیم والرضوخ وتتوجه الى كل من یتربّص به الفناء كی یرفض الموت ویتمرّد علیه. إنّ الحلّ للخلود فی رفض الجبن أمام القضاء وأمام الزمان.
إنّه درس فی وجوب التمرّد وسبیل البقاء.
إنّ المتنبی ینتفض من بین أنقاض الهزیمة والاحباط لیجمع ما تشتّت من قواه الخائرة فی صراع بین القدرة والإمكان والممكن والمستحیل والكائن وما یجب أن یكون.
أبو الطیب یروّض النفوس على اختراق المستحیل وبدون ذلك لا یكون المرء جدیر بإنسانیته، فمقیاس الإنسان الحق أن یتعفّف ویترفّع فی صبر ضدّ قانون الطبیعة ذاته:
وأصدى فلا أبدی الى الماء حاجة * وللشمس فوق الیعملات لعاب
وإنّ المطّلع على مدحیّات المتنبی یلاحظ اصرارا عنیدا على جملة من القیم استهوته وأحبّها فی من مدح صادقا أو طبقا لمقتضیات طبیعة المدحیّة القاضیة بوجوب تمجید الممدوح.
فالقاموس الحماسی ینهل من مبادىء عربیّة ترّسخ للرجولة فی أعمق معانیها سواء أتعلق الأمر بما هو مجرّد طبع فی الانسان أو ماهو ضرورة من ضرورات الدفاع عن النفس والعرض والوطن.
فقد أفاض من عالمه الاسقاطی على من مدح من العظماء فحبّب للمتلقی الرجل الكریم الشجاع الفاعل.
ویتجلّى هذا بالخصوص فی استقرار أبی الطیب تسع سنوات مع سیف الدولة رغم كونه یأبى الاستقرار ویدعو جاهدا الى الحركة. ففی سیف الدولة ممیّزات رجولة وصلف وكبریاء. یضاف الى ذلك صفات المروءة التی تصبح علامة استفزاز ایجابیّة للجمیع، خاصة أنّ سیف الدولة تحولت المبادىء النظریة معه واقعا ملموسا یمارس للدفاع عن العروبة والاسلام.
یكلّف سیف الدولة الجیش همّه * وقد عجزت عنه الجیوش الخضارم
فلم تعد البطولة مجرّد قول فی معجمیّة الممدوح، وفی هذا تماه مع الماح:
أقلّ فعالی بلّه أكثر مجد * وذا الجدّ فیه نلت أم لم أنل جدّ
ومن نفس المنطلق تتحول القصیدة الهجائیة تجسیما لوهن قوى المهجو وخور عزیمته وكثرة نواقصه الرّجولیة وفی هجاء كافور مثلا ما یحمّس النفس والعقل معا أفرادا وجماعات للاستنكاف من كلّ ماهو انهیار قیمی كالخسّة والنذالة:
أمینا وإخلافا وغدرا وخسّة * وجبنا، أشخصا لحت لی أم مخازیا؟
فلا یتوقّف مفهوم الحماسة على غرض بعینه أو شخص أو زمان، فحتى عندما رثى جدّته، عوض أن یضعف المتنبی نراه یعلم الناس كیف تقلب.
ساعة الانحناء استقامة، ولحظة الیأس اندفاعا ووثوبا
كذا أنا یا دنیا إذا شئت فاذهبی * ویا نفس زیدی فی كرائهها قدما
فلا عبرت بی ساعة لا تعزّنی * ولا صحبتنی مهجة تقبل الظلما
إنّ معانی الحماسة فی قاموس المتنبی قد بلغت من الغرابة أحیانا أن تطال حالات یكون فیها الانسان مجبولا على القبول والتلطّف واللّین
فحتى المرأة الحبیبة إذا ما علقها الرجل، یجب أن تتحوّل عنصرا محفّزا لا مثبّطا، وعنصر تعال لا تدنّ.
لذلك استمالته المرأة البدویة لما هی علیه من طباع وسلوك تساهم فی إشعار الرجل برجولة مزدوجة، فارتباطه بها إنّما هو تقویة للصدق والجمال وكذلك الصلابة والإباء:
حسن الحضارة مجلوب بتطریة * وفی البداوة حسن غیر مجلوب
فالمتنبی ینفر من الرّیاء والكذب حتى بأصباغ الزینة والكلام. فللمرأة قدر من «الرجولة» لا بدّ أن یتوفر فیها لتكون جذّابة محترمة یخفق لها الوجدان والعقل معا. وفی هذا انتماء واضح الى أصالته المعهودة:
سوائر ربّما سارت هوادجها *منیعة بین مطعون ومضروب
وربّما وخدت أیدی المطیّ بها *على نجیع من الفرسان مصبوب
فاللغة والصورة غریبتان على غرض مثل الغزل: (الطعن والضرب والمناعة والنجیع والفرسان..) وكأنّنا فی ساحة وغى وقتال. إنها ملحمة الحبّ وهیجان الرجولة حتى فی الوقت الذی من المفروض أن تهدأ. فإذا كانت المرأة العادیة عنوان اضعاف للرجل فإنّ امرأة أبی الطیب تتحوّل عنصر تقویة لبثّ المزید من الشدّة. وقد تفاعل الشاعر مع هذا النمط من التفكیر والشعور، فاستهواه وتجلّت ملامحه فی غرض المدح.
فصورة النصر الباهر الذی توفرت مظاهره العدیدة على یدی سیف الدولة انتقل انبهارها الى قریحة أبی الطیب فهیّجت فیه شجون حبّ وهیام الى حدّ یشبه العشق والانتشاء الساحر. إنه یتملّى الجثث المتناثرة فوق جبل الأحیدب وقد أثخن القائد العربی فی صفوف الروح فبدّد شملهم وأنهك قواهم، فإذا المشهد مشهد زفاف وعروس ومدعوّین:
نثرتهم فوق الأحیدب كلّه * كما نثرت فوق العروس الدراهم
.. ولست ملیكا هازما لنظیره * ولكنّك التوحید للشرك هازم
تتداخل ملحمة القلب بملحمة الروح بملحمة الصورة العقلیّة الایحائیة.. ولا غرابة من منطق المتنبی: فقلبه یخفق حبّا وارتیاحا، وروحه تسبح لنصر الله فی شخص الممدوح، وعقله متفتّقة قریحته على صور إبداعیة ایحائیة تبحث عن الجدید غیر المسبوق.
فعین المتنبی متحمسة فی كل مقام ومع كل غرض وكل شیء، لأنها بكلّ بساطة لیست مستعدّة لغیر ذلك كی تراه وتتعشقه.
ولعلّ هذا ما یفسّر من بعض الوجوه، غیاب المقدّمات الطللیّة النسائیة العاطفیّة فی عدد من المدحیّات أو إیجازها أحیانا أخرى.
فالمتنبی لیس مستعدّا للوقوف أصلا، فما بالك إذا كان الوقوف للبكاء والضعف والتوّع.
لذا عوّض العقل القلب فی كثیر من مقدّمات المدحیّات، فحضرت الحكم والتأمّلا:
لكل امرىء من دهره ما تعوّدا * وعادات سیف الدولة الطعن فی العدى
أو قوله:
على قدر أهل العزم تأتی العزائم** وتأتی على قدر الكرام المكارم
وتعظم فی عین الصغیر صغارها** وتصغر فی عین العظیم العظائم
أبیات تدور على بعضها بعضا لتصنع فنّ التعشق للعظمة والبطولة والإباء، فیصبح منه بطل القصیدة عروبة تقارع عجمة، وإسلاما یناجز كفرا:
تشرّف عدنان به لا ربیعة * وتفتخر الدنیا به لا العواصم
فهذا البیت ورد فی آخر القصیدة لیفصّل القول فی ما تنبّأت به المقدّمة الحكمیّة، فالبطل الأسطوری یشده الرجال إلیه ویمنع الفراق ویعسّره:
یا من یعزّ علینا أن نفارقهم * وجداننا كل شیء بعدكم عدم
ورغم أنّ عصر المتنبی (القرن 4هـ) تباعدت فیه المسافة عن العصر الجاهلی وقیمه فإن عقل المتنبی ظل لصیقا به حتى كأنه غریب عن عصره ممّا عسّر العلاقة مع الآخر ـ فكافور ـ مثلا ـ كان نموذجا للرجل الذی كوّن نفسه بنفسه فقد قال فیه خیر الدین الزركلی فی «الأعلام»: «مازالت همّته تصعد به حتى ملك مصر سنة 355 هـ. وكان فطنا ذكیّا حسن السیاسة.. قام بتدبیر المملكة. قال الذهبی: كان عجبا فی العقل والشجاعة» ورغم كل هذه الشهادة الصارخة، فإنّ قراءة المتنبی لشخصیّة كافور أفسدت علیه رؤیة تلك الخصال، فأبو الطیب مأخوذ بعقلیّة عصبیّة عنصریة تحتقر المرء لمجرّد لونه الأسود، فكان ذلك وحده كفیلا بأن یطمس ما طبع بلاط الملك بأرقى أنواع المعرفة والمناظرات والمساجلات الفكریّة والأدبیّة فلم یبق من الرجل إلا جلدة زیتیة وشفران غلیظان ورجلان مضخمتان حتى كأنه السلیخة التی یُرمى بها فی سلة القمامة: نتونة وخصی ینفی كلاهما كلّ رجولة وكل سیادة.
من علّم الأسود المخصیّ مكرمة * أقومه البض أم أباؤه الصید
أم أذنه فی بد النخّاس دامیة * أم قدره وهو بالفلسین مردود؟
موقف واضح من الأعاجم كان من المفروض أن تغلیه عقلیّة الإسلام السمحة.
وهكذا نفهم كیف انتقى أبو الطیب أبطال أشعاره رمزا للبهاء فعلا، ورمزا للبهاء أصلا.
إنّ فكر الانتصار یجعل من الرجل قادرا حتى لو كان منفردا فی عصر الهزائم والانقسامات. وبهذا الاستثناء الخارج عن وعلى القاعدة جسّم بطله سیف الدولة:
وقفت وما فی الموت شك لواقف * كأنّك فی جفن الرّدى وهو نائم
وهذا ما یفسّر كذلك إعجاب الشاعر ببدر بن عمار وتصرّفه مع الأسد، فكان الرجل الأسطورة التی لا تحدث دائما:
أمعفّر اللیث الهزبر بسوطه * لمن إدّخرت الصارم المصقولا
.. سبق التقاءكه بثوبة هاجم * لو ل تصادمه لجازك میلا
خذلته قوّته وقد كافحته * فاستنصر التسلیم والتجدیلا
.. ما كلّ من طلب المعالی نافذا * فیها ولا كلّ الرجال فحولا
ومن یتبع جزءا من أولى مدحیّات المتنبی فی سیف الدولة یزداد تأكدا من تغلغل الحسّ الحماسی الملحمی الذی امتلك جوارح الشاعر فتواثبت لدیه الصور تدور على نفسها فی تناغم داخلی یحاكی دوران الجیش على الجیش والتحام الأبطال بالأبطال حتى تخترقك الكلمة بإیحاءاتها تفعل فعل الساحر فی جلبه لأمجاد الأجداد عروبة وإباء واصرارا. طبیعة متحرّكة صبحا لیلا وسیوفا وقنا، تتآزر لتصنع المجد والسؤدد جناس وطباق ومقابلات واطناب وتكرار
صور تولّد صورا فی لغة لا تعترف بخدیل، فی قدرة عجیبة على الإخصاب الذاتی:
فقد ملّ ضوء الصبح ممّا تغیره * وملّ سواد اللیل ممّا تزاحمه
وملّ القنا ممّا تدق صدوره * وملّ حدید الهند ممّا تلاطمه
سحاب من العقبان یزحف تحتها * سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه
بهذا المستوى من الرؤى الشعریة تفرّد المتنبی فاغترب، وعاش حیاة أبعد ما كون عن الهدوء والقرار. وتلك ضریبة الرجولة عندما تفرض على أصحابها ممّا عجزوا عن أن یتنكّروا للهویّة والانتماء، الانتماء الى اللّه إسلاما والى الإنسان عروبة وفی تكامل أفقی عمودی بینهما نقطة التقادح والخلود: فالإنسان قبس من روح اللّه.
+ نوشته شده در ۱۳۸۹/۱۲/۲۱ ساعت 10:38 توسط د.کشاورز
|